مشاهیر الاسرة

آية الله السيد محمد سعيد الحبوبي

نسبه ونشأته:

هو السيّد محمد سعيد بن السيّد محمود الحسني الشهير بالحبوبي فقيه أديب و مجاهد، ولد في النجف عام 1849، وأقام الحبوبي في صباه بنجد وأحبها. كما أحب بغداد و قصورها و انفتاحها و مدحها في عدة قصائد. و نشأ محبا لعمل الخير، و مثالاً للخلق الرفيع والهمة العالية، و حب العلم والأدب. حفظ القرآن الكريم و هو في صغره، واتجه منذ شبابه نحو المجتمع فكان ولوعاً بتكوين الحلقات الأدبية التي تصقل المواهب و تثيرها، و يميل لكتابة الشعر و يشارك في المحافل والأندية الادبية حتى استطاع أن يتملك زمام إمارة الشعر، و يترأس الأندية التي ضمت النوابغ والفحول من أرباب الأدب.
و طبع ديوانه الأول عام 1912 م في بيروت المطبعة الأهلية و فيه مقدمة للجواهري مدحه قائلا:  لم يبق بيت أو قافية لم يعثر عليها . و درس القرآن و العربية و الأدب و الفقه و الأصول. كما صاحب المجدد جمال الدين الأفغاني لأربع سنوات في دراساته و كانا زميلين لدرس واحد وكان بينهما تأثر و تأثير و لقاء في المبادئ العامة الإصلاحية. و يعتبر السيد الحبوبي اول من بادر و افتى بوجوب تأسيس المدارس و دعا الى نشر التعليم لجميع أبناء المجتمع.

جهاده:

كثيرا ما كان السيد الحبوبي يقول لطلبة العلم في معاهد النجف : (من لا وطن له لا دين له). و جعل الاجتهاد و الجهاد مدرسة الحياة.
و يعتبر السيد محمد سعيد الحبوبي (قدس سره) اول مرجع في العراق يصدر فتوى بإدانة الغزو الايطالي لليبيا، و دعا الناس الى التظاهرات و تضامن معه بعض العلماء و خرجت المظاهرات في مختلف مدن العراق احتجاجاً على احتلال القوات الايطالية لمدينة طرابلس. و بعد احتلال الفاو من قبل القوات الانكليزية في 6 تشرين الثاني 1914 بعث القادة الاتراك الى علماء الدين برقية يطلبون منهم النصرة. و قرأت هذه البرقية في المدن العراقية الرئيسية في المساجد و الجوامع و التجمعات و الاسواق فأضطرب الناس و عطلت الاسواق. و بعد ذلك عقد في النجف اجتماع كبير في المسجد الهندي المجاور للصحن الحيدري الشريف و بحضور وفد أرسلته الحكومة التركية، و في ذلك الاجتماع الحاشد من كبار الوجهاء و العلماء خطب كل من السيد محمد سعيد الحبوبي و الشيخ عبد الكريم الجزائري و الشيخ جواد الجواهري، و أكدوا جميعهم على وجوب الدفاع عن بلاد الاسلام.
و على اثر ذلك تحرك السيد محمد سعيد الحبوبي من النجف متوجها للجبهة قبل أسبوع من احتلال القوات الانكليزية البصرة و معه  أولى كتائب المجاهدين عصر يوم 25 من شهر ذي الحجة الحرام من العام 1332 هجرية الموافق ليوم 15/10/1915 م ترافقه كوكبة من العلماء كالشيخ الشبيبي و الشيخ على الشرقي و تلميذه السيد محسن الحكيم، و كان الحكيم في ذلك الوقت شابا لا يتجاوز عمره 26 عاما. و كان يردد السيد الحبوبي في ذلك الوقت : جاءت (بريطانيا) لتحمينا على زعمها و لندن ليس بها حامية، يا غيرة الله لأعدائه كوني عليهم ضربة قاضية. و خرج الحبوبي متقلدا سيفه و ممتطياً حصانه و طبول الحرب تقرع أمامه في شوارع النجف و أزقتها في موكب مهيب ترافقه زغاريد النساء و قد أنطلق موكبه الجهادي بواسطة السفن من الكوفة عبر الشامية و غماس و الشنافية و السماوة و الخضر، ثم حط رحاله في الناصرية، و بعد حثه لأبناء العشائر و المدن التي مر بها على الالتحاق به للجهاد تبعه الالوف، ثم انطلق من سوق الشيوخ في 4 ربيع الثاني 1333 هـ الموافق ليوم 19/2/1915 م في موكب كبير قُدر عدده بنحو ثلاثين ألف راجل وعشرة آلاف فارس نحو الشعيبة. و كان خلال سيره بالجموع ينفق عليهم من ماله الخاص، و قدمت له الحكومة العثمانية خمسة آلاف ليرة ذهباً كمساعدة له على مواصلة جهاده و لكنه أبى قائلاً: ((ما زلت أملك المال فلا حاجة لي به، وإذا ما نفذ فشأني شأن الناس آكل مما يأكلون وأشرب مما يشربون)).
و في 12 نيسان 1915م، وقعت معركة الشعيبة بين البريطانيين من جهة وبين القوات العثمانية و قوات المجاهدين الشيعة من جهة اخرى. و رابط السيد الحبوبي و معه العلماء و المجاهدون في الشعيبة، و لكن قوة الجيش البريطاني و ضعف الادارة التركية، و كثرة جواسيس الانكليز المنتشرين بين المجاهدين الذين جندتهم المخابرات البريطانية أدت الى الانسحاب الفجائي للقوات العثمانية مما ادى الى انكسار جيش المجاهدين و إلحاق الهزيمة بهم وتقديم التضحيات الكبيرة.

وفاته:

بعد الانكسار في جبهة الشعبية و عودته مع المجاهدين إلى مناطقهم، أخذت صحته بالتدهور إلا أنه لم يهتم بتدهور صحته بل أستمر يدعو العشائر و يحثهم على ضرورة التصدي للقوات البريطانية، لكن المرض لم يمهله إذ سرعان ما تردّت صحته ليتوفى السيد الحبوبي قرب مدينة الناصرية في منطقة سُميت (دار الجهاد) و ذلك في الثاني من شعبان 1333هـ الموافق 1915م، و قد بلغ من العمر السابعة و الستين عاماً. و بوفاته حدثت انتكاسة كبيرة لروحية المجاهدين و حماسهم، و قد أحتل الانكليز الناصرية بعد أقل من شهر من وفاته. و قيل ان المخابرات البريطانية دست له السم و مات إثر ذلك.
لقد عاش الحبوبي حياته طالبا متعلما ثم شاعرا مبدعا ثم فقيها مجددا، ثم ختمها بجهاده ضد الاستعمار الإنكليزي. و قد وصفه العثمانيون في وثائقهم بانه المجاهد الكبير. وكذلك الانكليز بالمجتهد المجاهد العنيف.